عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
81
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
بالكدراء ، وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدعوة ، فأذن له ، فطوى البلاد طياً ، وفتح الحصون والبلاد ، ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كله : سهله ووعره ، وبره وبحره . وقيل : وهذا أمر لم يعهد مثله في الجاهلية والإسلام ، حتى قال يوماً وهو يخطب الناس في جامع الجند : وفي مثل هذا اليوم يخطب على منبر عدن ولم يكن ملكها بعد ، فقال بعص من حضر : سبوح قدوس ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . قلت قوله سبوح قدوس : إن كان تعظيماً له وتنزيها فقد كفر قائله ، إذ أشركه مع الله بما يختص به تعالى ، وإن كان تهكماً به وأنه ادعى من القدرة صفة من صفات الله تعالى التي لا يتصف بها غيره ، فمثل هذا لا ينبغي أن يقال ، والظاهر - والله أعلم - أن هذا مقال بعض الزنادقة ، أخرجه مخرج التعظيم له . قال : فلم يدر مثل ذلك اليوم حتى خطب الصليحي على منبر عدن ، فقام ذلك الإنسان ، وتعالى في المقام ، وأخذ البيعة ، ودخل في المذهب . وفي سنة خمس وخمسين استقر حاله في صنعاء ، وأخذ معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم ، وأسكنهم معه ، وولى في الحصون غيرهم ، واختط بمدينة صنعاء عدة حصون ، وحلف أن لا يولي تهامه ، إلا لمن وزن له مائة ألف دينار ، فوزنت له ذلك زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهاب ، فولاه وقال لها : يا مولاتنا ؛ أنى لك هذا ؟ قالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فتبسم وعلم أنه من خزانته ، فقبضه وقال : هذه بضاعتنا ردت إلينا ، ونمير أهلنا ، ونحفظ أخانا . ولما كان في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ، عزم الصليحي على الحج ، فأخذ الملوك الذين كان يخاف منهم أن يثوروا عليه ، واستصحب زوجته أسماء بنت شهاب ، واستخلف مكانه ولده منها المكرم أحمد ، وتوجه في ألفي فارس ، فيهم من آل الصليحي مائة وتسعون - شخصاً ، حتى إذا كان بالمنجم ، نزل في ظاهرها بالعسكر بضيعة يقال لها أم الدهيم وبيرام معبد ، ونزلت عساكره والملوك الذين معه من حوله ، فلم يشعر الناس حتى قتل الصليحي ، فانزعر الناس ، وكشفوا عن الخبر ، فإذا الذي قتله سعيد الأحول ابن الذي قتلت الجارية أباه نجاحاً بالسم ، أرسل إليه أخوه يعلمه أن الصليحي متوجه إلى مكة ، فتحضر حتى تقطع عليه الطريق ، فحضر ، ثم خرج هو وأخوه ، ومعهما سبعون رجلاً بلا مركوب ولا